شمس الدين محمد حافظ شيرازى (تعريب: ابراهيم امين الشواربي)
17
غزليات حافظ (أغاني شيراز)
هو الذي أسسها وأسند فيها منصب الأستاذية لحافظ بعد ما ذاع صيته في قول الشعر وإنشاد القصيد ، فكان التلاميذ يجتمعون حول حافظ فيدرس لهم « كشاف الزمخشري » في التفسير ، و « مصباح المطرزي » في النحو ، و « طوالع الأنوار » في الحكمة والتوحيد ، و « مفتاح العلوم » في الأدب ، حتى إذا فرغ من دروسه أو أراد الراحة قليلا ، أسمعهم شيئا من شعره كانوا يستطيبونه فيستوعبونه ، ثم يأخذون بعد ذلك في ترديده في المحافل والمجالس فيسري بين الناس ويتلقفه العام والخاص . والظاهر أن حافظا ظل بقية حياته يقوم بالتدريس في هذه المدرسة ، وكان يجد فيها متعة لنفسه بما يظفر فيها من نشر لدروسه ونشر لأشعاره وتعاليمه ، ولكنه كان يحس أحيانا بشيء من الملل والضجر يحسه لتلاميذه ولكتبه ولجدران المدرسة أيضا ، فتنعكس آثار ذلك في قصائده التي يتبرم فيها من « الدرس والبحث » و « الاشتغال بكشف الكشاف » و « قيل المدرسة وقالها » و « العلوم الظاهرة » و « مجالسة العلماء الذين لا عمل لهم » . بل لقد يتبرم بمهنة التدريس هذه التي اختارها لنفسه فيشكو منها ومن أنها لا تدر عليه من الرزق إلا النزر اليسير ، وأن أجره خاضع لتقلبات الزمان والحكام ، فأحيانا يصل إليه كاملا ويدفع إليه عاجلا وأحيانا تنتقص حدوده ويمتنع وروده . وإشاراته التي أشار بها إلى هذه المعاني كانت جميلة رقيقة فهي لا تبلغ مبلغ الشكوى والبكاء ولا مبلغ الإلحاح في الطلب والرجاء ؛ وإنما هي إشارة شاردة ربما شاء بها التذكير بعسره والإقرار بفقره ، وربما كانت زفرة من زفرات المحروم ينفس بها عن قلبه المكلوم ، وربما كانت سخرية من عصره الملئ بالاحداث والشرور ، واستهانة بأمر هذا المرتب الذي لم يكن ليستعبده إذا دفع إليه أو يبكيه إذا منع منه . عصر حافظ والواقع أن العصر الذي عاش فيه حافظ اضطره إلى أن يكون لطيفا في كل شيء ، وأملى عليه نوعا من الحكمة جعلته يرتفع بنفسه الكبيرة عن دنايا دنياه ، فيتأنق في عباراته وتفكيره وفي بيانه وتصويره ، وفي كل شيء تكون له صلة بالناس أو صلة بالحكام وأصحاب الأمر . فقد كان العصر الذي عاش فيه عصرا مضطربا أشد الاضطراب ، وقعت فيه شيراز في أيدي جملة من الحكام عاصرهم حافظ جميعا فرأى تطاحنهم وتنازعهم ، ورآهم مقبلين أو مدبرين ، ورأى